الشيخ محمد الخضري بك
74
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
شاب ثقف « 1 » ولقن ) « 2 » فيدلج « 3 » من عندهما بسحر ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت « 4 » بها ، فلا يسمع أمرا يكتادان « 5 » به إلّا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ، وكان عامر بن فهيرة يروح عليهما بقطعة من غنم ، يرعاها حين تذهب ساعة من العشاء ، ويغدو بها عليهما ، فإذا خرج من عندهما عبد اللّه تبع أثره عامر بالغنم كيلا يظهر لقدميه أثر . ولما انقطع الطلب خرجا بعد أن جاءهما الدليل « 6 » بالراحلتين صبح ثلاث ، وسارا متّبعين طريق الساحل ، وفي الطريق لحقهم طالبا ، سراقة بن مالك المدلجي « 7 » وكان قد رأى رسل مشركي قريش يجعلون في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره . فبينما هو في مجلس من مجالس قومه بني مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام عليهم وهم جلوس فقال : يا سراقة إني رأيت انفا أسودة « 8 » بالساحل أراها محمدا وأصحابه ، فعرف سراقة أنهم هم ، ولكنه أراد أن يثني عزم مخبره عن طلبهم ، فقال : إنّك رأيت فلانا فلانا انطلقوا بأعيننا يبتغون ضالة لهم ، ثم لبث في المجلس ساعة ، وقام وركب فرسه ثم سار حتى دنا من الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ومن معه ، فعثرت به فرسه فخرّ عنها ثم ركبها ثانيا وسار حتى صار يسمع قراءة المصطفى وهو لا يلتفت ، وأبو بكر يكثر الالتفات فساخت « 9 » قائمتا فرس سراقة في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخرّ عنها ، ثم زجرها حتى نهضت ، فلم تكد تخرج يديها حتى سطح لأثرهما غبار ساطع في السماء مثل الدخان ، فعلم سراقة أنّ عمله ضائع سدى ، وداخله رعب عظيم ، فناداهما بالأمان فوقف عليه الصلاة والسلام ومن معه حتى جاءهم ،
--> ( 1 ) حاذق . ( 2 ) سريع الفهم . ( 3 ) يخرج . ( 4 ) لشدة رجوعه بالغلس . ( 5 ) أي يطلب لهما ما فيه المكروه . ( 6 ) وهو عبد اللّه بن أريقط . ( 7 ) يكنى أبا سفيان ، روى البخاري قصته في إدراكه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما هاجر إلى المدينة ، وكتب له أمانا ، وأسلم يوم الفتح ، وقد قال رسول اللّه لسراقة « كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ » قال فلما أتي عمر بسواري كسرى وتاجه دعا سراقة فألبسه ، فقال له ارفع يديك وقل : الحمد للّه الذي سلبهما كسرى وألبسهما سراقة ، وقد مات في خلافة عثمان سنة أربع وعشرين . ( 8 ) يكنى بها عن الشخص . ( 9 ) غاصت .